فن الإدارة : الإدارة الهندسية وادارة المشاريع

14 أغسطس 2010

الجهل المكتسب

Filed under: خواطر — bageis111 @ 10:57 ص

يسعى الانسان الى العلم والتعلم واكتساب الخبرات العلمية و العملية وتطوير الذات واكتساب مهارات مختلفه طالبا في مسعاه البعد عن الجهل ,والنجاة منه، وفي خضم هذا السعي واكتساب الخبرات ينعكس ما اكتسبه هذا الانسان على سلوكه بشكل أو بآخر، وهذا الأمر مسلم به وطبيعي ويأتي بشكل تلقائي –أي انعكاس المعرفة والخبرة على السلوك البشري، ولكن الغريب ان ينتج عن هذه المسيرة اكتساب للجهل!!!

ذكر في كتاب “فكر المستقبل – كيف تفكر بوضوح في زمن التغيير”، والذي نشر عام 2006 ميلادية، لإيدي واينر و ارنولد براون ” انه عندما تتراكم لدى الانسان كميات هائلة من المعلومات والخبرات التي تتعلق بالحاضر ولكن تعوقه دون رؤية المستقبل فانه يطلق على هذه الظاهرة مصطلح “الجهل المكتسب”، و هنا لا يأتي “أي الجهل” بشكل طبيعي او تلقائي، وانما يكتسب كما يكتسب العلم. فاذا ما أردت أن تسير في ركاب التقدم المتسارع للقرن الحادي والعشرين فلا بد أن تتخلص من ركام “الجهل المكتسب” الذي يثقل ذهنك ويحجب عنك رؤية التغيير” … (إنتهى).

لا أحد منا بمأمن من النجاة من ظاهرة “الجهل المكتسب” ويرجع ذلك في تقديري الى العمل الروتيني وتكرار الإجراءات والعمليات اليومية التي نقوم بها. ويحصل هذا الجهل عند إكتفاء أحدنا بالمعرفة والخبرة التي اكتسبها سابقا ومقاومته لإكتساب اي معرفه جديدة وبالتالي يقوم بتكرار معرفته وخبرته السابقه ولا يقوم بتنميتها وتطويرها والسماح للتغيير بأن يكون جزء من ممارسته العملية وثقافتها. وبالتالي تصبح الخبرة العملية المكتسبة وإن كبرت هي خبرة مخادعة بحيث أنها لا تعد أكثر من مجموعة من سنوات الخبرة القليلة وإنما متكررة. كما أنه من الملاحظ أن بعضنا يمارس هذا الجهل بل ويتعدى ممارسته له بأن يصبح جهل مركبا بحيث أنه يجهل بأنه يعاني من الجهل المكتسب.

الجهل المكتسب يأتي مخفيا ومبطنا بحيث أنه يصعب على الشخص أن يدرك أنه مصابا به، ولكن هناك علامات ومؤشرات تساعدنا على تشخيص المصاب بهذا المرض – إن صح التعبير – فعندما نرى شخصا يكتفي بما لديه من مهارات ومعرفة وخبرة عملية ويتشبث بطريقته لأداء عمله ويرفض التعرف على طرق أخرى ويحارب التغيير سواءً في الإجراءات أو في طريقة العمل دون الإستماع وإختبار المقترح الجديد، بسبب إعتقاده الجازم بأن الطريقة التي يسلكها لاداء عمله أو الإجراءات التي يطبقها هي وحدها الصحيحة ويرفض تجربة أي طريقة أو إتباع أي إجراءات اخرى بديلة فحينها نعلق الجرس. عندما لا يبحث الشخص عن وسيلة أخرى لأداء العمل بطريقة أسهل أوأسرع أو أفضل او أقل تكلفة أو غير ذلك من تحسين الأداء ولا يفكر أيضا في تحسين المنتج أوالإرتقاء به فحينها نعلق الجرس. عندما يستسلم الشخص للروتين ويستسلم للإجراءات المعمول بها ويجعلها عائقا دون إستشراف المستقبل ودون تذليل صعوبات العمل فحينها نعلق الجرس. عندما ينتقد شخصا إجراء معين أو طريقه معينة لأداء العمل وهو في حقيقة الأمر لا ينتمي للمنظمة أو للشركة التي تقوم بهذا الإجراء أوتتبعه، ثم تقوم هذه المنظمة أو الشركة أو من يمثلها برفض النقد شكلا ومضمونا دون التحقيق فيه وإستثماره فحينها نعلق الجرس.

الغارقون في كومة العمل اليومي وإجراءاته هم منشغلون بتسيير الأعمال، ولذلك أي محاولة للتغيير ستشكل نوع من المخاطرة لمتابعة تسيير العمل ولذلك تنتج مقاومة للتغيير بشكل طبيعي لا يلاموا عليها. ولكن في نفس الوقت عليهم أن يدركوا أن الرؤية من بعيد وخارج صندوق العمل اليومي لها فوائد فهي تعطي رؤية أوسع للعمل، وقالوا الحكماء سابقا “رحم الله إمرئٍ أهدى لي عيوبي” وقالوا “الجمل لا يرى سنامه”، فبالتالي أعين الغرباء مفيده لمن يُحسن إسنثمارها.

قبل قرابة الثلاثين عاما انتج فيلم كرتون تدور احداثه حول ارسال سكان كوكب آخر لمحققين او جواسيس الى الارض لغرض التجسس والتعرف على من يسكن الارض، فبعد مضي وقت لدخول الغرباء الى كوكب الارض وصفوه بالتالي: يسكن الارض مخلوقات تسير على اربع عجلات تسمى “سيارة” ولدى كل من هذه المخلوقات عبدا او خادما، يقوم الخادم كل صباح باكر بعد سماعه لجرس مزعج يعكر عليه صفو نومه لكي يأخذ هذا المخلوق “السيارة” الى مكان تجمع لصديقاتها يسمى “الكراج”، ثم يذهب هذا الخادم الى سجن مغلق لا تدخله الاضاءه الطبيعية ولا تهوية الطبيعية ثم يقوم بعمل مجهد يستمر قرابة الثمان ساعات ثم في آخر كل شهر يستلم هذا الخادم مبلغ من المال لكي يطعم هذا المخلوق “السيارة” بما يسمى بالوقود.

لو نظرنا الى تقرير هؤلاء الغرباء سنجد انهم بينوا وجهة نظر ربما لم تصل الى ذهننا ولم ندركها، فلو تفحصنا ما نقلوه هؤلاء الغرباء لوجدنا اسباب نقلهم لهذا ثم سندرك اهمية تصحيح وضعنا.

المعاملات اليومية قد تشكل حاجزا يحول بين الشخص وبين تطوير عمله وبالتالي يجب أن يكون هناك تقييم للأداء من قبل من يقوم به بشكل دوري، فعليه أن يُعرف مفاتيح لقياس أداءه ولا مانع من أن يستفيد من “أعين الغرباء” بدعوة من يثق برأيهم ويطلعهم على نتائجه لقياس أداءه كما يطلعهم على الإجراءات المختلفه لأداء العمل ويطلب منهم تقييمها. وايضا يتوجب على رب العمل ان يمهد لموظفيه من يستفيدوا من آراءهم ونقدهم. العمل بهذه الروح المنفتحه والإعتقاد الجازم بأنه من السذاجة أن تعمل نفس الشيء وبنفس الطريقة ثم تتوقع نتائج مختلفة وأيضا الإعتقاد الجازم بأنه دائما هناك فسحة للتطوير، وفي نفس الوقت يجب ان يدرك الشخص أن علينا أن نخاطر أحيانا ونتحمل المسؤولية حتى نظفر بالثمر- فمن يرقى النخل والشجر يخاطر ولكن يصل الى الثمر- فحينها يسهل تقبل التغيير والتعاون من أجل تنفيذه، ويتلاشى الجهل المكتسب أو على الأقل يحجم.

تقديم الخدمه للمستفيد وتنفيذ المشاريع وممارسة العمل الروتيني تعد بيئات متغيرة بطبيعتها ولذلك يجب على العاملين فيها التخلص من الحمولات الذهنية الزائدة والأحكام المسبقه والتابوهات البغيضة لنرى مستقبل هذه المشاريع والخدمات بوضوح افضل وبالتالي يسهل علينا اقتراح التغيير ثم دراسته فتنفيذه، والسعي الدؤوب الى التطوير وبالتالي نحقق هدف حسن الإدارة وتحسين الأداء.

د. عبدالرحمن بن سالم باقيس

جريدة الاقتصادية : http://www.aleqt.com/2010/04/09/article_376508.html

Advertisements

اكتب تعليقُا »

لا توجد تعليقات حتى الأن.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.

%d مدونون معجبون بهذه: