فن الإدارة : الإدارة الهندسية وادارة المشاريع

14 فبراير 2011

التراخي في العمل.. هل أصبح “قسراً” خياراً تكتيكيا

Filed under: خواطر — bageis111 @ 4:55 ص

من الغريب أن يتجه بعض الموظفين إلى التراخي في العمل عن عمد وقصد بعدما كانوا مِن مَن يشار إليهم بالبنان لحسن أداءهم وتفانيهم فيه. بل أصبح أسلوبهم التكتيكي “قسراً” هو التراخي والتقاعس عن العمل ليمحوا بذلك صفحتهم البيضاء ويصبحوا مع الركب لا في مقدمته، حتى يستمتعوا بما يستمتع به الآخرون ولا يصبحوا كـ (حمار القايلة) أعزكم الله. حقيقة نراها ونسمعها من زملاء لنا انقلب حالهم رأسا على عقب، من الجد والاجتهاد إلى التقاعس والإهمال واللامبالاة، بل منهم تدهورت حالته النفسية فإنتكس من حالة التفائل و الطموح إلى الإحباط والكآبة، والله المستعان.

إذن ما السبب خلف هذا التحول الدراماتيكي لهؤلاء الموظفين الذين كانت تُعلق عليهم آمالُ المساهمة في تحقيق رؤية المؤسسة التي يعملون بها والعمل على تحقيق أهدافها؟

من أهم الأسباب هي النتائج التي تؤول إليها الأمور، فمن المضحك المبكي أن يكون المجتهد في عمله هو أساس لا يمكن الإستغناء عنه داخل إدارته وبالتالي يحرم من البرامج التدريبية والتطويرية ومن الإبتعاث وأحيانا من الإجازات ومن الانتدابات وغيرها بحجة أن الإدارة لا تقدر أن تستغني عنه فهو ركن فيها (وبالعامية: هو شايل العمل كله)، وأيضا يحرم من الدورات التدريبية و من الترقيه لأنه منشغل بعمله ومُركز على الإنتاج عكس غيره المُركز على الحصول على الترقية فتراه يجري من مكتب إلى آخر يطالب بدورات تدريبية و بترقيته “والزن أدهى من السحر” وبالتالي قد يحصل على الترقية ابتغى اكتفاء شره “وسد حلقه”.

ومن ما يزيد الطين بلة، أن المتراخي والكسول – أو على أقل تقدير الزميل الذي لا يتخطى حاجز الاقتراب من عمل ما يطلب منه فقط ،فيحظى بكل تلك الانتدابات والتدريب والإبتعاث وغيرها بحجة تطويره. أليس هذا واقع نراه ونسمعه؟ أليس هذا من الغبن والجور والظلم؟ أليس مُبرراً في هذه الحالة التحول إلى التراخي و أن يكون هذا التراخي خياراً تكتيكاً استراتيجياً به يتفرغ الموظف الى المطالبة بترقيته والإصرار عليها حتى يحظى هذا المجتهد بما يحظى به غيره من اللامبالين والمتقاعسين “والزَّنَّانون”؟

الفطرة السليمة وتعاليم الدين الحنيف تحث على الإجادة في العمل والإخلاص فيه بغية رضوان الله سبحانه وتعالى فقال تعالى (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) وفي نفس الوقت قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ). فالسعي إلى ما عند الله خير وابقي بكل تأكيد، ولكن هذا لا يعني أن على الشخص أن يزهد في الدنيا وان لا يطالب بنصيبه فيها، فقد قال الحسن وقتادة (رحمهما الله): معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه.

وضع إدارة الأداء لدى أغلب الإدارات والجهات الحكومية يعتريه الكثير من التساؤلات ويغلب عليه “شخصنة التقييم” إن صح التعبير. وهذا يعد سببا رئيسا لهذه المشكلة، وبالتالي تكون أحد الدوافع التي تجعل هذا الموظف المجتهد والمثابر يتجه إلى أساليب ترفضها الفطرة السليمة وقد تخالف المبادئ الإسلامية. من مشاكل تقييم الأداء الحالية أن الموظف لا يُقدر التقدير الذي يستحقه ولا يُكافئ المكافأة التي تُحفزة على الاستمرار في حُسن الأداء والأهم من ذلك أن هذا التقدير وهذه المكافأة لا تكفلها له الأنظمةُ والقوانين بشكل قاطع بل هي أقرب ما تكون حسنة من حسنات مديره المباشر. والسبب أن مسالة التقييم الحالية تعتمد بشكل كبير على الرأي الشخصي للمدير المباشر ولا تستند إلى معايير حصينة ذات صلة وثيقة بطبيعة عمل الموظف، ولا تعتبر نقاط مرجعية متفق عليها مسبقا بين الرئيس والمرؤوس على أساسها يُقيم الموظف. وأيضا لم تحمي الرئيس والمرؤوس من الإحراج ولم تساعدهما على التعامل مع التقييم السنوي كعنصر من عناصر تبادل الخبرات والعمل كفريق واحد وتطوير العمل من الحسن إلى الأحسن.

إتباع اسلوب التخطيط وإدارة الأداء وربطه بأحقية المجتهد والمثابر للدورات التدريبية والتطويرية والإبتعاث والانتدابات وتمثيل الإدارة في المحافل المحلية والدولية والمكافآت والترقيات وغيرها يعد مطلباً أساسياً لتأمين التحسن المستمر في الإنتاجية والكفاءة للموظف المجتهد وأيضا يعمل كمحفز للمتقاعسين بأن يحذو حذوه. هذا الإسلوب لإدارة الأداء (لا لقياس الأداء) يتمحور حول ثقافة تقويم الأداء لا فقط تقييم الأداء، وهذا الإسلوب يجب تبنيه في جميع الإدارات والجهات الحكومية حتى نُحسن من أداء إداراتنا بشكل جذري. وهذا يحتاج إلى توعية وثقافة خاصة و يحتاج إلى دعم قوي من قبل صانع القرار في الإدارة العليا للمنظمة حتى يطبق بفعالية عالية. فمرحلة الانتقال من تقييم الأداء إلى تقويم الأداء ومن قياس الأداء إلى إدارة الأداء لا تأتي في يوم وليلة ولكن تحتاج إلى تمهيد وتشجيع وبناء نظام من قبل قائد شجاع يدفع التغيير إلى الأمام ويدعمه ويهيء البيئة المناسبة له.

هذه دعوة إلى كل مسئول بأن ينهض من مكتبه ولا ينتظر وجود نظام ادارة الاداء المشار اليه وانما يسأل كل مدير في إدارته عن حال موظفيه وان يطلع على سجلاتهم الوظيفية، بالتحديد يطلع إلى: متى التحق الموظف بالعمل؟ ومتى كانت آخر ترقية او علاوة استثنائية له؟ وهل سبق وان تغير مسماه الوظيفي كشكل من أشكال الترقية له؟ كما عليه أن يطلع إلى آخر من تحصلوا على ترقيات أو علاوات استثنائية أو تحصلوا على مسمى وظيفي جديد لهم في آخر خمس سنوات على الأقل؟ وعليه أن يقارن هؤلاء الأشخاص بباقي الموظفين في نفس الإدارة؟ ويتأكد من أحقية هؤلاء للترقية من غيرهم، وعليه ايضا ان يطلع على السجلات التدريبية للموظفين، ويسأل عن اي حالة استئثار بالدورات التدريبية لصالح البعض وحرمان البعض الاخر منها. هذه فرصة لمحاسبة النفس قبل أن تحاسب، وفرصة لتصحيح ما يمكن تصحيحه وتدارك الأخطاء، فأن يأتي التصحيح متأخرا خيرٌ من أن لا يأتي أبداً. وهنا قد يقول قائل “الشغلة خربانة من قديم، وقد اتسع الخرق على الراقع” ونقول: أعمل ما تستطيع وتدارك ما يمكن تداركة ولا تنسى ما لا يدرك كله لا يترك جله.

وأشير إلى أمر هام هنا، وهو أن هذه الدعوة ليست لنبش الماضي والبحث عن المتسبب فيه بقدر أنها دعوة للإصلاح وللتقدم للأمام، ودعوة لتصويب حال الموظفين المتميزين حتى يستمروا في العطاء وان لا تخسرهم الإدارة فالمنظمة فالوطن.

في المقال القادم –بمشيئة الله تعالى- سأقوم بشرح أهم معالم اسلوب تخطيط وإدارة الأداء وكيف له بان يساهم في استمرار عطاء المجتهد في عمله وان نحمي هذا العطاء من الانقطاع. ثم في مقال يليه سنتعرض إلى أهم المهارات المطلوبة لتفعيل هذا النظام وكيف يتم صيانته.

نشر جزء من المقال في جريدة الاقتصادية
http://www.aleqt.com/2011/03/17/article_515668.html

Advertisements

اكتب تعليقُا »

لا توجد تعليقات حتى الأن.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.

%d مدونون معجبون بهذه: